الشريف الجرجاني
25
الحاشية على الكشاف
وعطاء وابن المبارك وعليه الشافعي وأصحابه . وقال آخرون : إنها ليست من القرآن أصلا ، وهو مذهب ابن مسعود ومذهب مالك والمشهور من مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه وأتباعه . وذهب المتأخرون من علماء الحنفية إلى أن الصحيح من المذهب أنها آية واحدة من القرآن ليست جزء الشئ من السور ، بل أنزلت للفصل بينها تبركا بها ، فنشأ من ذلك اختلاف آخر وهو أنها آيات بعدد كل سورة مصدرة بها ، أو آية واحدة منفردة عنها . ونقل بعض الناس أنها بعض آية من واحدة من تلك السور . والمصنف لم ينقل إلا الخلاف الأول ولم يعتد بما عداه . ويدل على ذلك أمران : الأول أنه نسب القول الأول إلى قراء المدينة والبصرة والشام وفقهائها ، ومذهبهم أنها ليست من القرآن أصلا حتى قال مالك : لا ينبغي أن تقرأ في الصلاة لا جهرا ولا سرا . الثاني أنه قال : وإنما كتبت للفصل والتبرك ولم يقل إنها نزلت ، ويؤيد ذلك أنه شبه إثباتها في أوائل السور بذكرها في أول كل أمر ذي بال ، فتعين أن يكون قوله : على أن التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور ، محمول على المشهور من مذهب أبي حنيفة ، أعني أنها ليست من القرآن وإن كان بحسب المفهوم متناولا أيضا لما اختاره المتأخرون من الحنفية وعولوا عليه في الفتوى ، وكان حق العبارة أن يقول : على أن التسمية ليست من القرآن ، لكن عدل عنه لفائدتين : الأولى أن يرد النفي في هذا القول على ما هو مذهب المخالف لإظهار التقابل . الثانية أن يرد على من قال إنها آية منفردة عن السور بناء على ما قدمه من أن القرآن مفصل سورا وسوره آيات : أي إذا أكنت آية من القرآن كانت من سوره قطعا ، وإذا تحققت ما تلوناه انكشف لك أمور : الأول أن تفريع ترك الجهر بالتسمية على القول بأن ها ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها منتظم ، لأن حاصله أنها ليست من القرآن على رأيهم ، فلا يجهر بها عندهم ، ولا يتوجه عليه أنه لا يلزم مما ذكر أن لا يجهر بها لجواز أن تكون آية منفردة أو بعض آية من كل سورة . وقد دفعه بعض بأن قوله : ولذلك لا يجهر بها عندهم ، ليس في معرض الاستدلال ، بل إخبار لما بنوا عليه ترك الجهر ، وهو مدفوع بأن السؤال أيضا إخبار بأن ذلك البناء منهم غير منتظم كما انتظم بناء الشافعية الجهر بها على كونها آية من كل سورة . الثاني أن الاستدلال بإثبات السلف إياها في المصحف بخطه على أنها من كل سورة صحيح . ولا يرد عليه أن ذلك إنما يدل على كونها من القرآن لا على أنها من كل سورة لما مر من جواز كونها آية على حدة أو بعض آية ، لما عرفت من أنه لم يعتد بهذين الخلافين ، فإذا كانت من القرآن كانت آية من كل سورة . الثالث أن التمسك بقول ابن عباس في إثبات ذلك المدعى تام لما أشرنا إليه ، ولا يتجه عليه أنه إنما يدل على أنها ليست آية واحدة ، وأما على أنها آية من كل سورة فلا ، إلا أن يلتجأ إلى أن التسمية مائة وثلاث عشرة آية لامن السور مما لم يذهب إليه أحد . واعلم أن الباء في قوله بالابتداء ليست صلة للتبرك لأن المتبرك به نفس التسمية لا الابتداء به . وإنما هي بيان للتبرك : أي التبرك بالتسمية بأن يبتدئ بها . وأما أنه قال أولا بالابتداء بها فجعل الابتداء متعلقا بالتسمية ، وثانيا كما بدئ